ابن كثير
345
البداية والنهاية
كم قد قضيت أمورا كان أهملها * غيري وقد أخذ الافلاس بالكظم لا تعذليني فيما ليس ينفعني * إليك عني جرى المقدور ( 1 ) بالقلم سأتلف المال في عسر وفي يسر * إن الجواد يعطي على العدم وفيها أمر المتوكل أهل الذمة أن يتميزوا عن المسلمين في لباسهم وعمائمهم وثيابهم ، وأن يتطيلسوا بالمصبوغ بالقلى وأن يكون على عمائمهم رقاع مخالفة للون ثيابهم من خلفهم ومن بين أيديهم ، وأن يلزموا بالزنانير الخاصرة لثيابهم كزنانير الفلاحين اليوم ، وأن يحملوا في رقابهم كرات من خشب كثيرة ، وأن لا يركبوا خيلا ، ولتكن ركبهم من خشب ، إلى غير ذلك من الأمور المذلة لهم المهينة لنفوسهم ، وأن لا يستعملوا في شئ من الدواوين التي يكون لهم فيها حكم على مسلم ، وأمر بتخريب كنائسهم المحدثة ، وبتضييق منازلهم المتسعة ، فيؤخذ منها العشر ، وأن يعمل مما كان متسعا من منازلهم مسجد ، وأمر بتسوية قبورهم بالأرض ، وكتب بذلك إلى سائر الأقاليم والآفاق ، وإلى كل بلد ورستاق . وفيها خرج رجل يقال له محمود بن الفرج النيسابوري ، وهو ممن كان يتردد إلى خشبة بابك وهو مصلوب فيقعد قريبا منه ، وذلك بقرب دار الخلافة بسر من رأى ، فادعى أنه نبي ، وأنه ذو القرنين وقد اتبعه على هذه الضلالة ووافقه على هذه الجهالة جماعة قليلون ، وهم تسعة ( 2 ) وعشرون رجلا ، وقد نظم لهم كلاما في مصحف له قبحه الله ، زعم أن جبريل جاءه به من الله ، فأخذ فرفع أمره إلى المتوكل فأمر فضرب بين يديه بالسياط ، فاعترف بما نسب إليه وما هو معول عليه ، وأظهر التوبة من ذلك والرجوع عنه ، فأمر الخليفة كل واحد من أتباعه التسعة والعشرين أن يصفعه فصفعوه عشر صفعات فعليه وعليهم لعنة رب الأرض والسماوات . ثم اتفق موته في يوم الأربعاء لثلاث خلون من ذي الحجة من هذه السنة . وفي يوم السبت لثلاث بقين من ذي الحجة أخذ المتوكل على الله العهد من بعده لأولاده الثلاثة وهم : محمد المنتصر ، ثم أبو عبد الله المعتز ، واسمه محمد ، وقيل الزبير ، ثم لإبراهيم وسماه المؤيد بالله ( 3 ) ، ولم يل الخلافة هذا . وأعطى كل واحد منهم طائفة من البلاد يكون نائبا عليها ويستنيب فيها ويضرب له السكة بها ، وقد عين ابن جرير ما لكل واحد منهم من البلدان والأقاليم ، وعقد لكل واحد منهم لواءين لواء أسود للعهد ، ولواء للعمالة ، وكتب بينهم كتابا بالرضى منهم ومبايعته لأكثر الأمراء على ذلك وكان يوما مشهودا . وفيها في شهر ذي الحجة منها تغير ماء دجلة إلى الصفرة ثلاثة أيام ثم
--> ( 1 ) في الطبري 11 / 35 وابن الأثير 7 / 48 : المقدار . ( 2 ) في الطبري 11 / 38 وابن الأثير 7 / 50 : سبعة . ( 3 ) في مروج الذهب 4 / 100 : المستعين بالله .